شهدت الأزمة بين رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وبين منظمات من الحشد الشعبي التابعة لإيران في الأيام الماضية خطوات متقدمة من المواجهة الأمنية والسياسية والإعلامية.

وما بين قصف متواصل لقواعد عراقية تستضيف جنودا أميركيين أو صواريخ تسقط في المنطقة الخضراء التي توجد فيها مقرات حكومية رئيسية والسفارة الأميركية، انفجر الصراع علناً، بعد اعتقال القوات الخاصة في المخابرات العراقية عناصر من ميليشيات حزب الله، معهم لبناني وإيراني، يديران عمليات القصف.

خلفية الصراع
وللصراع بين الجانبين خلفياته السياسية بالتأكيد، ومنها الخلاف الإيراني الأمريكي، والذي يمتد منذ سنوات في العراق ودول المنطقة، ولكنه اليوم كأنه بلغ أعلى مراحله مع تضييق واشنطن الخناق على طهران عبر عقوبات مشددة.

وهناك أيضاً مشكلة محاولة الميليشيات إدارة العراق على طريقتها السابقة، التي استمرت منذ استلام نوري المالكي للحكم، وسيطرة الميليشيات على المفاصل المالية للدولة، ما سمح للأذرع الإيرانية بالسيطرة على 60 مليار دولار سنوياً من الخزينة العراقية، تقدم جزءاً منها للحرس الثوري الإيراني، وحزب الله في لبنان، ولتمويل الحرب في سوريا، واليمن، ويحتفظ مسؤولوها بجزء كبير آخر في خزائنهم أو مؤسساتهم على حساب العراقيين.

حملة إصلاحية
مصادر بغدادية تؤكد أن الأزمة الحالية بكل خلفياتها السابقة تتعلق أيضاً بالتغييرات التي أدخلها الكاظمي على مئات المناصب العليا في الوزارات والمحافظات، فرئيس الوزراء يقود حملة إصلاحية متوافقة مع مطلب المتظاهرين بالشارع، لتعيين أكفاء يلتزمون بالقانون وبعيدين عن الفساد، وغير مرتبطين بأي ميليشيات أو دول خارجية.

هذه الخطوة تعتبرها المصادر مكلفة جداً، فالميليشيات ترفض إبعاد قياديين منها عن مناصبهم الكبيرة، ولذلك نقلت عناصرها الخلاف إلى الشارع مع إحراق صور الكاظمي وتمزيقها وحتى دوسها، رغم أن “السلطة الرسمية” على ميليشيات الحشد هي لرئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة.

وتحاول الميليشيات فرض مرشحيها لكل المناصب العليا خاصةً في المحافظات، وفي مجلس الوزراء، وتحديداً منصب الأمين العام لمجلس الوزراء، الذي له دور أساسي في طرح جدول أعمال مجلس الوزراء، وتحديد البنود العلنية والسرية للبحث، والقادر على مراقبة كل كلمة يقولها رئيس الوزراء في اجتماعاته.

ويبدو أن الكاظمي استطاع الحصول على ثقة المحتجين الذين دعموه برفع صوره في احتجاجاتهم، وهو يملك أيضاً إرادة المواجهة “الناعمة”، وفق وصف المصدر البغدادي، فهو لا يريد معركة مع الحشد الشعبي، بل يعمل لإدخاله أكثر في مؤسسات الجيش العراقي، وإقناع الجزء الأكبر منه بضرورة دعم موقفه، خاصةً أن المرجعية الشيعية في النجف أيدت تغييراته، ولذلك يحاول عزل الميليشيات المتطرفة المرتبطة بشكل كامل بطهران.

وحتى الآن تعتبر المصادر أن المواجهة لا تزال في بدايتها، ويحتاج الكاظمي لدعم داخلي أكبر لاستكمالها، عبر التعيينات الحكومية، ووضع يد السلطات على المعابر الحدودية، من البوكمال في سوريا، إلى المعابر مع إيران.